الصالحي الشامي
217
سبل الهدى والرشاد
استمكنت منه هززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته - وفي لفظ : في ثندوته - حتى خرجت من بين رجليه ، وجعل ينوء نحوي فغلب فوقع فتركته وإياها ، حتى إذا مات أتيته فأخذت حربتي ، ورجعت إلى العسكر فقعدت فيه ، ولم يكن لي بغيره حاجة ، إنما قتلته لأعتق ، فلما قدمت مكة عتقت . ثم أقمت حتى إذا فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هربت إلى الطائف فكنت بها ، فلما خرج وفد أهل الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعيت علي المذاهب ، فقلت : ألحق بالشام أو اليمن أو ببعض البلاد ، فوالله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل : ويحك ، والله إنه ما يقتل أحدا من الناس دخل في دينه . فلما قال ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة . قال ابن إسحاق وفي رواية يونس : لما قدم وحشي المدينة قال الناس : يا رسول الله هذا وحشي ، فقال : " دعوه ، فلإسلام رجل واحد أحب إلي من قتل ألف رجل كافر " . قال وحشي : فلم يرعه إلا بي قائما على رأسه أشهد شهادة الحق ، فلما رآني قال : " أو حشي ؟ " قلت : نعم ، يا رسول الله ، قال : " أقعد فحدثني كيف قتلت حمزة ؟ " قال : فحدثته ، فلما فرغت من حديثي ، قال : " ويحك ! غيب وجهك عني فلا أراك ! " . وروى الطبراني بسند لا بأس به ، وتمام الرازي عن وحشي قال : لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قتل حمزة تفل في وجهي ثلاث تفلات ، ثم قال : " لا ترني وجهك ! " . وروى الطبراني بسند حسن عن وحشي : قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا وحشي " ، قلت : نعم ، قال : " قتلت حمزة ؟ " فقلت : نعم ، والحمد لله الذي أكرمه بيدي ولم يهني بيده ، فقالت له قريش : أتحبه وهو قاتل حمزة ؟ ! فقلت : يا رسول الله استغفر لي ، فتفل في الأرض ثلاثة ، ودفع في صدري ثلاثة ، وقال : " يا وحشي ، اخرج فقاتل في سبيل الله كما قاتلت لتصد عن سبيل الله " ( 1 ) . قلت : وكونه صلى الله عليه وسلم تفل في الأرض أصح من كونه تفل في وجهه ، لما علم من حيائه صلى الله عليه وسلم ومحاسن أخلاقه . قال وحشي : فكنت أتنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبضه الله تعالى ، فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم ، وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة ، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائما في يده السيف وما أعرفه ، فتهيأت له وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى كلانا يريده ، وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه ، وشد عليه الأنصاري فضربه بالسيف ، فربك أعلم أينا قتله ، فإن كنت قتلته فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قتلت شر الناس .
--> ( 1 ) ذكره المتقي الهندي في الكنز ( 33663 ) .